لا نعني بالتنوع الداخلي في الإسلام المقاربة الاستشراقية الكلاسيكية التي سعت إلى نفي الطابع الموحد للإسلام وإبراز الاختلافات المذهبية والطائفية بأنها أكثر من تباين في الفروع والتفاصيل. في هذا السياق جرى تصنيف الاختلافات الداخلية في الاسلام على أساس ثقافي وحضاري، فاعتبر «الإسلام الفارسي» متميزاً برواسب المجوسية التي امتزجت بالعقيدة الجديدة والتبست به، واعتبر ميل «الإسلام الأفريقي» للطرق الصوفية مظهراً لطغيان«العقلية السحرية والطوطمية» على المجتمعات الأفريقية و«اعتبر الإسلام البربري» مخالفاً في الجوهر للإسلام العربي في استناده لأعراف وتقاليد محلية سابقة على الإسلام.
تلك أثبتت الدراسات الأنثربولوجية الرصينة زيفها، وليس هذا مجال التعرض لها، ما نعنيه بتعددية الإسلام، هو ما تشهده الساحة الإسلامية اليوم من تناقضات جوهرية في طبيعة النظر للمرجعية الدينية في مكوناتها العقدية والمجتمعية، وما ينتج عن هذا التباين الحاد من صراعات عنيفة حولت العالم العربي الإسلامي إلى بؤرة لحروب أهلية متفاقمة.
تشكل الأرضية العقدية محوراً أول من محاور هذا الصدام ليس بالمعنى الكلامي النظري الذي لم يعد حاسماً في تشكل هوية المجموعات المسلمة، ولكن من منظور تشكلات خطاب الهوية ذاته التي تستند لمرجعيات عقدية خاضعة لأنماط كثيفة ومتصلة من التصرف والتحوير.
فالأشعرية التي كانت تشكل إلى عهد قريب العقيدة الرسمية لجمهور أهل السُنة فقدت موقعها المهيمن وتقلص حضورها حتى في مراكزها العلمية والتربوية العتيدة مثل جامعات الأزهر والزيتونة والقرويين. ولقد تسنى قبل أربع سنوات أن شاركت في مؤتمر حاشد دعاني إليه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، في القاهرة اتفق من حضره من كبار علماء السُنة ومتخصصي الدراسات الكلامية أن الأشعرية في خطر محدق معرفياً وتربوياً، بل شكك البعض في أنها مازالت العقيدة الفعلية لأهل السُنة.
ومع ذلك تحولت الأشعرية في الآونة الأخيرة إلى خط دفاع في العديد من البلدان الإسلامية ضد ما يبدو غزواً شيعياً أو تمدداً سلفياً (في بلدان المغرب العربي خصوصاً في المغرب الأقصى تشكل الأشعرية مقوماً رئيساً من مقومات التقليد الديني الذي ترعاه الدولة). بيد أن الأشعرية الجديدة لا تستند على بنية علمية أو تربوية فاعلة، ولا على حضور ناجع في الحقل الديني، بل هي عنصر من عناصر صراع الهوية الدينية في تمفصلاته المجتمعية والسياسية الكثيفة.
كما أن السلفية ذاتها لم تعد نسقاً عقدياً منسجماً، بل هي عرضة للانقسام ذاته على الرغم من التسمية الجامعة التي لم تعد تعني شيئاً كبيراً .فما الذي يجمع بين السلفية المؤسسية التي أصبحت لها تقاليدها وتوازناتها داخل الحقل الديني الرسمي والسلفيات الاحتجاجية الراديكالية والمسلحة التي أفرزت النماذج “الطالبانية”(من آخر تجلياتها دولة داعش في الهوامش العراقية السورية)، والسلفيات السياسية الحزبية التي ظهرت بعد موجة “الربيع العربي” في مصر وتونس. إذا كان البعض يجمل العناصر الموحدة للسلفية في نبذ التأويل العقلي في الأصول العقدية، ورفض فكرة التقليد المذهبي بالتشبث بالنص، وأقوال الجيل الأول من سلف الأمة، إلا أن السلفيات الجديدة في نسختيها المقاتلة والحزبية هما تعبيران عن رهانات حالية لا علاقة لها بهذه التحديدات النظرية، يتعلقان بظواهر من قبيل تفكك المجتمع الأهلي الأصلي الذي هو الحاضن التاريخي للإسلام التقليدي المعيش، وانفصام التجربة الدينية الفردية عن حواملها الثقافية، وعولمة نمط من السلعة الدينية الخفيفة الجاهزة.
وما يصدق على الأشعرية والسلفية، يصدق على أنماط التشيع الجديدة التي يُعاد إنتاجها في صراعات الهوية والمواقع في بلدان دخلت في نفق التفكك والتحلل، كما تتداخل مع مصالح وتوجهات إقليميةمعروفة وصراعات جلية على النفوذ والتأثير، مما لا يحتاج لبيان.
أما محور التصادم الثاني، فيتعلق بالمسألة السياسية ببروز مواقف ثلاثة متباينة من مسألة الشرعية السياسية ومنزلة الدين فيها:اتجاه استند إلى منظومة الفقه الكلاسيكي (الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية) في تقنين علاقة الحقل الديني بالدولة (طاعة ولي الأمر اتقاء للفتنة)، واتجاه الإسلام السياسي الذي ابتدع فكرة حاكمية الشريعة في المجال العمومي، واتجاه يرى في الدولة المدنية الحديثة التعبير التاريخي الراهن عن رسالة الإسلام التي لا مكان فيها للدولة الدينية الثيوقراطية.
ومن الواضح أن هذا الصراع الدائر حول المسألة الدينية السياسية دخل مرحلة حاسمة بعد أحداث “الربيع العربي” التي حملت تيارات الإسلام السياسي للسلطة في بعض البلدان العربية مما سبب أزمة عميقة من آثارها انفجار الحقل الديني كما حدث في مصر حيث وقف حزب “النور” السلفي والمؤسسة الدينية التقليدية (الأزهر الشريف) ضد المشروع “الإخواني” وانحازاً لحركة التغيير في30 يونيو. ومن تجليات هذا الصدام النقاش الدستوري الحاد حول منزلة الدين في التشريع وفي الشأن العام الذي شكل بؤرة التوتر الرئيسية في النقاشات الجارية حول شكل النظام السياسي الجديد في البدان التي عرفت صدمات التحول الثوري.
وعلى الرغم من الاتجاه السائد للالتفاف على هذا الصدام المحتد حول الشرعية الدينية في أبعادها السياسية بالتوافق الغائم حول مبدأ الدين الرسمي للدولة، إلا أن الإشكالات تظهر بوضوح عندما تطرح المقتضيات التطبيقية العملية لهذه المرجعية الدستورية الناظمة في موضوعات التشريع، ونمط تنزيل الأحكام الفقهية التراثية، التي لها ارتباط بالحياة العامة.
ما نستنتجه من التصادم الدائر في الحقل الديني في الأمور العقدية والسياسية، هو أن المجتمعات الإسلامية تشهد في أيامنا حركية علمنة متسارعة ليست بالمعنى اللائكي الذي هو التقنين المؤسسي للفصل بين الدين والدولة، وإنما بمعنى تحلل المرجعية النسقية الأحادية للدين، والمفارقة التي تستحق التنبيه هو أن حركات الإسلام السياسي والمجموعات السلفية هي القوة الدافعة لهذه الديناميكية العلمانية.
المصدر:صحيفة الاتحاد الإماراتية.